هذا الموضوع وضعته للفائدة فمن وجد فيه ما يفيد فالحمدلله ومن لم يجد فاعتذر له مسبقاً واتمنى ألا يتحول الموضوع إلى جدل عقيم إن كان هناك من سيختلف معي في جزئية من جزئيات التجربة.
مع العلم أني كتبت هذا الكلام منذ فترة ، وكنت قد كتبته لشخص خارج الجامعة ، ثم رأيت وضعه في المنتدى الآن للفائدة.
تجربتي مع العمل التطوعي (082)
أعلنت الجامعة للمرة الأولى فكرة العمل التطوعي المنظم على أسلوب (بيق إفنت) في الجامعات الغربية ، وكنت شغوفاً بحب الخير للغير وأريد حقاً أن أخرج من رتابة الحياة ومن همومي الشخصية وكنت احب ادخال السرور على قلوب الاخرين بجنون ، كان هناك عدة مجموعات وزعوا الطلاب على عليها وكل مجموعة تذهب لمكان معين (متشفى الامل ، دار المسنين ، دار الايتام ، ومدرسة للفقراء ، المسشفيات لزيارة المرضى ، واخيرا ً الى الاحياء الفقيرة جدا لتوزيع المؤن عن طريق مبرّة الإحسان الخيرية) ، تمنيت أن يضعوني بالمجموعة التي ستذهب الى دار الايتام ، حيث أني أريد أن أدخل السرور على هؤلاء الأطفال الذين حرموا حنان الوالدين ، ولكن وقع الاختيار على مجموعة أخرى وهي التي تذهب الى الأسر الفقيرة.
بدون الخوض بتفاصيل غير مهمة ، وصلنا الى المبرّة الخيرية وأخذنا الطعام والهدايا وأتجهنا الى الحي الفقير، تقسمنا داخل الباص الى مجموعات من خمس اشخاص ، وطلبوا أن يكون لكل مجموعة قائد (قروب ليدر) فكنت أنا قائد مجموعتي ، أي أني أنا الشخص الذي يذهب مع موظف المبرة الخيرية ليطرق الباب ويتحدّث باسم المجموعة ، ذهبنا إلى ثلاث عوائل وبقيـّة المجموعات ذهبت للعوائل الباقية.
عند العائلة الاولى دخلنا الى عمارة متهالكة جداً ومتسخة بشكل كبير وضيق درجها وممراتها الى أن وصلنا لاحد الشقق ، فطرق موظف المبرّة الخيرية الباب ، فردّت امرأة :
- من ؟
- المبرّة الخيرية
ثم صمتت وبعد 3 دقائق خرج لنا رجل في الاربعين يبدو أنه زوجها وصُدم قليلاً لما راى خمسة شباب يرتدون زياً شبه موحد وقبعات طبع عليها (وحدة العمل التطوعي) ، فقال موظف المبرّة هؤلاء الشباب من جامعة الملك فهد جاءوا يشاركونكم … وسَكَتْ وترك لي الحديث وبقية زملائي صامتون ، فصافحته ثم قلت :
(حنا من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ، جينا نعتذر عن تقصيرنا ومعنا شي بسيط نقدمه لك ) ، ولم يردّ بشئ سوى قوله " الله يجزاك خير" وكان فرحاً جدا بما نقول وما معنا ، وبدأنا نضع ما معنا من اكياس فيها (اللحم والأرز والطحين والسكر وهدية للاطفال) وهو لا يزيد على قوله "الله يجزاكم خير الله يجزاكم خير " ، تأثر من معي وأنا تأثرت ولكني بحكم نشأتي على عادات أهل البادية فإنّي أجيد التحكم بمشاعري ، كنا خمسة 3 طلاب جدد اعمارهم 18 سنة وانا وأحد زملائي القداما أعمارنا 23 سنة ، زميلي الذي في سني بعد أن فرغنا من وضع الاغراض ، كان هو الوحيد الذي يرتدي الثوب ولم يرتدي الفانلة والقبعة التي أعطونا بل كان يمسك بها بيده ، بعد أن وضعنا الأغراض قال للرجل “خذ هذي عطها عيالك” ومد له الفانلة والقبعة ولم يزد الرجل على قول “الله يجزاك خير”.
خرجنا من عندهم وخيمت على روحي سكينة عجيبة وكانت المجموعة تمشي خلفي وكانهم ينتظرون أحداً ليتحدّث ولكني اكتفيت بالصمت خشية أن اتأثر اثناء الحديث – بسبب معتقداتي الاجتماعية السقيمة التي تحرّم العاطفة !- وكان زملائي الصغار ينظرون لي ويصمتون وحتماً جميعهم شعروا بما شعرت به من راحة ، برغم انا كنا متعبين لدرجة لا توصف.
ذهبنا للشقة الثانية وكانت في عمارة متهالكة ايضاً طرقت الباب وخرج لي اطفال (سُمر: زنوج) ويبدو لي انهم من أصول غير سعودية حيث اني عندما تحدثت اليهم بدا على تعابير وجوههم عدم فهم ما أقول فتركنا الأغراض عند الباب ومشينا.
ذهبنا للعائلة الثالثة ، وهي أكثر ما أثـّر في ّ ، دخلنا إلى عمارة كان يخيّل لي أنها ستسقط باي لحظة ونحن فيها ، سيئة بشكل لا يوصف ، عندما وصلنا عند الباب قال لنا موظف المبرّة هذه الشقة فيها امرأة فقط ! لذا ضعوا اغراضكم وامضوا !
تخيلت كيف تعيش هذه المرأة لوحدها بلا رجل ولا مال ولا سند ، ياتي رجال غرباء يطرقون الباب عليها لكي يعطونها مؤنة لكي لا تموت !
ماذا لو كان من بين هؤلا ء الرجال من لا يخاف الله ! المهم طردت هذه الافكار وطرق الموظف الباب ، وجاء صوت امراة :
- من
- المبرّة الخيرية
ثم انقطع الصوت وقال الموظف ضعوا ما معكم على الباب ، كنت اتمنى أن يجعلني أدخله الى الشقة لكي لا تخرج المرأة لحمله. وفي هذ الاثناء دُفع الباب قليلاً – أي فتحته المرأة – ثم خرجت طفلتان كلاهما لا تتجاوز الـ 5 اعوام !
يا الله !
بهاتين الطفلتين تقابل الغرباء !
أيّ ألم ٍ هذا كنت لا أعلم بوجوده ؟!
نظرت في وجه الطفلتين وتمنيت أن أستطيع أن أحظنهما ، سالت من معي “اين هدية الاطفال ؟” فاعطانيها احدهم ، وكانت على ما أعتقد دمى بناتية لحسن الحظ ، ومغلفة بغلاف جميل جداً ، فاعطيتها الطفلة وفرحت جداً بها وأنا اعلم يقينا أن أمهما خلف الباب وسعيدة بسعادة إبنتها ، تمنيت لو كان بيدي شئ اقدمه لتلك المرأة وطفلتيها وكانت برأسي كثير من الاسئلة ، التي لا اجابة لها مثل (من ياتي لهذه المرأة بحاجياتها ومن سيقوم بشراء الملابس لبناتها؟ وكيف ستدرس بناتها وكيف سيتزوجن وأين أقارب هذه المرأة ؟).
خرجت للحارة فاذا أنا أمام بيوت أشبه بجحور الافاعي في جبل ٍ قديم ٍ مهجور! ، ليس فيها أي تصميم أو شكل جمالي ، هي فقط جحر يـُـؤى إليه بدلاً من الشارع !
أيقنت بلا مبالغة أن خمسة ريالات تكفي هؤلاء للعيش لمدة اسبوع !
5 ريالات نشتري بها (قعطتين من شوكلاتة بونتي !! او سنكرس ونأكلها لنصاب بالسكّر من قلة الحركة والبركة !!) تكفي تلك العوائل اسبوعاً ليشتروا به رغيفاً ياكلوا منه ليبقوا احياء وليس في داخلهم هاجس الا هاجس البقاء ، وليس في داخلهم حلم كبير او طموح يسعون لوصوله ! وليس عندهم نقاشات عقيمة تنتهي بتصنيفات قبيحة كــ “صحوي” و"جامي" و"إخواني" و"عصراني" وغيرها من الترفيات الفكرية !
عندما هممنا بالرحيل ناداني شخص في داخل سيارة وهو شاب تقريباً في الـ 26 من العمر، أتيت اليه وقال : “وش عندكم هنا؟” أي ماذا تريدون ، أكاد أقسم أنه من المباحث ! فقلت في نفسي “يا اخي فكنا انت والسياسة معك ، الناس ذابحها الفقر هنا وما حنا ارهابيين ولا هم يحزنون” ، ولكن ماقلته له حقا ً اننا من الجامعة واتينا لمساعدة الفقراء فقال بخجل من كان يسئ الظن بمن أمامه واكتشف حسن طويته : " كويّس !! الله يجزاكم خير". قلت : "ليه تبي شي ولا مساعدة " فرد بحرج اكبر زاد يقيني انه من المباجث بقوله : "لا لا الله يسلمك !"فذهبت من عنده للباص ثم عدنا بالباص الى الجامعة.
عدت الى غرفتي في الجامعة مرهقا ولكني شخص آخر يرى بعداً إنسانيا للأمور أكثر من النظرة السطحية الروتينة للحياة ، وأدركت في تلك الليلة كم أنا غير شاكر لانعم الله وكم أنا متذمّر وعندي الدنيا وما فيها !
قابلت أحد زملائي بعد صلاة الفجر لليوم التالي فاخبرته بماحصل وخاصة مع المرأة التي تسكن لوحدها وختمت ذلك بقولي “من لهذه المرأة ؟؟”
فقال بغضب :
“مسؤول عنها ولي الأمر !” ، فقلت له:" بل أنت أيضاً مسؤول عنها فماذا فعلت سوى جلستك في غرفتك في السكن الجامعي تتقلب في النعيم !"
ذلك الحي ليس في أفريقيا ، بل في الدمام واسمه حي (قزاز) !
ثم إنّه إنتهى ما أريد قوله !!
أخوكم : طالب مبدع